محمد طاهر الكردي
21
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
كان بودي - حقا - أن أفعل ذلك ، وأنت حي ، تعبيرا عن عمق مودتي ، وصادق صحبتي ولكن اللّه تعالى أراد أن لا أفعل ذلك إلا بعد أن تطوى صحيفتك من دنيانا الفانية . . . إلى العالم الآخر . أذكر جيدا آخر رسائلك إليّ وأنت تستعجل الأيام ، وتضيف قائمة أحبابك الذين تحرص على مشاركتهم بالحضور في حفل تكريمك - تضيف أسماء جديدة يمليها عليك وفاؤك المعهود ، كلما تذكرت منهم أحدا وتستعجل أيضا - العمل على نشر مؤلفاتك لتراها ماثلة بين أيدي القراء ، لتكون عاملا في إسعادك تقر به عينك . وتقول لي في إحدى رسائلك تلك : ( قبل أن أموت ) . وبرغم أن الموت أكبر ما نواجه من حقائق الحياة الدنيا ، إلا أن البشر اعتادوا أن يغفلوه من حياتهم . . . أو تراهم ينسون هذه الحقيقة العظمى ، أو أنهم يتناسونها ، كنت - من جانبي - أشعر بشعورك ، وأحس عمق أحاسيسك . . . ولكن الأيام - كعادتها - كانت تجري مهرولة متسارعة متتابعة . لنصل من خلالها جميعا ذات يوم إلى ذلك الشاطئ العجيب المجهول . لا عليك أحسب أن الإخوة ، الذين اهتموا بالإعداد لتكريمك . . . سيلتمسون الوسائل لتكريم ذكراك . كما اعتاد الناس أن يفعلوا كلما فقدوا علما من أعلامهم ، فاتهم أن يدخلوا السعادة إلى قلبه بتكريمه وهو حي . . . ولم أكن لأرشح نفسي للحديث عنك لولا أنني عرفتك عن كثب ، ووقفت على بعض أمرك ولا أقول كله . . . فإن تعارفنا لم يزد عمره عن ثلاثين عاما بينما أعرف من أصدقائك الأحياء من هم أكثر صحبة وأعمق معرفة وألصق بك . وإنني لآمل أن يتفضلوا بالكتابة عنك ، ليجتمع من تاريخ حياتك ما هو جدير أن يظل في ذاكرة التاريخ . وإن لك من أمجادك ما هو حري أن تعيه حقا ذاكرة التاريخ . وإنني لأعلم علم اليقين أنهم جميعا يكنّون لك الحب كله والإعزاز كله . . . والإعجاب كله . . أحاول أن أستذكر لقاءنا الأول . . أو الذي أجزم أنه التعارف الأول . . . كان ذلك في مبنى المدرسة العزيزية الابتدائية بمكة المكرمة فقد عدت أنا إليها مدرسا بها بعد غيبة سنوات ثلاث كنت قبلها طالبا فيها فقد كنت أنت بها مدرس الخط . أما أنا فقد كنت ، مدرس الرياضيات . . . ولم نكد نتعارف حتى اتصلت بيننا أسباب المودة التي ظلت عامرة ووثيقة حتى الأيام الأخيرة .